بدأت رحلتي مع ” شيرلوك هولمز” منذ عامي التاسع؛ كتاب قديم مُلقى في قاع مكتبة والدتي قادته أقداره إلى يداي لأقتل به ملل إجازة الصف الرابع الإبتدائي.استغربت والدتي لصغر سني و حاولت إقناعي بمجلات ميكي لأنها أكثر ملائمة لإستيعابي، كانت تخشى أن يحبطني عدم فهمي لبعض ما يرد فيه فأعدل عن فكرة القراءة ككل.اعترضت بشدة، فقد أثارتني قدرات المحقق الغير مألوفة .. ” يا ماما ده ذكي أوي، عارفة لو كملت الكتاب للآخر أكيد هستفيد.” هكذا حاولت إقناعها و نجحت.. لم تلفتني أي تفصيلة آخرى ، حتى أنني بالكاد ما استطعت حفظ اسم الشخصية نفسه.تنبهت يومًا ما بعد قراءتي للكتاب بمما يزيد عن سبعة أعوام لوجود فيلم يحمل ذاك الاسم، تحمست لفكرة مقارنة صورة الطفولة لتلك الأشخاص بالصورة التي يراها إناس آخرون. شاهدت الفيلم بجزئيه و استمعت بشدة .. و من ثَم صدمتني الفكرة ..”د/واطسوون” .. المساعد الدائم و الصديق الوفي، الطبيب النابغ الذي يشعر بالغباء الشنيع في وجود ” شيرلوك” ، الشخص الفائق الذكاء لبعض الناس و الشديد الغباء لبعض آخرين .. و العادي جدًا لمعظمهم. لماذا أتعاطف معه و أوقره لهذا الحد؟تلاشت الأفكار تدريجيًا إلى أن اكتشفت مسلسل “Sherlock” ، و لمن لا يعلم فهو رؤية معاصرة للشخصيات الأصلية تروي أحداث و مغامرات و مطاردات. عاودتني متلازمة ” واطسون” هذا من جديد ؛ يتبع أسلوبًا في حل القضايا كنت سأتبعها أنا إن كنت مكانه، يعتقد أنه أخيرًا و لأول مرة توصل للحل قبل ” شيرلوك” و أشاركه الرأي ، بل و أؤمن بذلك و أتمنى أن يفشل بطل المسلسل و لو لمرة و ينتصر ذكاء ” واطسون ” الطبيعي العادي الغير مبالغ فيه.. و لا يحدث هذا أبدًا. يتلاعب “شيرلوك” بمشاعره فأمقته.. و يضلله لأهدافه الخاصة التي لا يشاركه بها – حتى لا يفسدها ذكاءه العادي- و يوهمه أنه هو فقط الذي يقود المغامرة ، فقط ليعود و يضع أمامه كيف كان مجرد صديق البطل طوال اللعبة.لماذا لا يتنازل ” واطسون” عن صديقه المتحذلق هذا ؟ لماذا يغفر كل هذه التلميحات المهينة لعقله و التي تؤذيه باستمرار ؟ -أعلم إنها تؤذيه لأنها كانت لتؤذيني – لماذا يتمسك بهذا العلاقة التي يعلم كل العلم إنها غير صحية و تدور بكاملها حول الطرف الآخر ؟ببساطة لأني و “واطسون” لا نملك غير ذلك ، لا يملك هو كشخصية خيالية أن يغير طبيعته المستكينة العادية ؛ و لا أملك أنا أن أخرج من “د/ واطسون زوون “.نعم لهذا اعتبترته بطل القصص و المغامرات، و بتحيز واضح لا أخفيه .. لأننا متطابقين.كلانا عاديان أكثر من اللازم و هنا لب المشكلة، كلانا يترك ” شيرلوك” الخاص به يلعب دور البطولة ، بينما نكتفي نحن بالأعمال المكتبية التي لا يُحل بدونها اللغز